علم بجدفلسفة العلم

علم بجد – مقال 4

مشكلة الاستقراء

مشكلة الاستقراء

هذا المقال طويل بعض الشئ، لكنه مهم جداً ويعتبر حجر الأساس لما سنناقشه فيما بعد، لذلك رأيت أن تقسيمه في مقالين قد يشتت الموضوع، وأرجو أن يكون مفيداً إن شاء الله.

موقف كارل بوبر من الاستقراء

كارل ريموند بوبر، هو فيلسوف نمساوي-إنجليزي متخصص في فلسفة العلوم. درس الرياضيات، والتاريخ، وعلم النفس، والفيزياء، والموسيقى، والفلسفة وعلوم التربية، وعمل أستاذاً للمنطق والمناهج العلمية بجامعة لندن ويعد من أشهر الفلاسفة المعاصرين في تناول فلسفة العلوم.

لكن ما هي “فلسفة العلوم”؟

يمكننا بشكل عام أن نعرف فلسفة العلوم على أنها “دراسة الافتراضات والأسس والقواعد المؤسسة لمنهج العلوم الطبيعية” وتتطرق فلسفة العلوم لمحاولة تقديم إجابة عن السؤال الأقدم في تاريخ العلم، ألا وهو: “هل يستطيع العلم أن يقدم كل الإجابات”؟
يقودنا هذا حتماً إلى الكلام عما يعنيه “المنهج العلمي” ابتداءاً وما إذا كان الافتراض المقبول من معظم العاملين في حقل العلوم الطبيعية أن طرق البحث العلمي يجب أن تطبق في كل العلوم، الطبيعية منها وحتى الإنسانية والفلسفية هو افتراض صحيح وصائب.
يرتبط مفهوم “المنهج العلمي” عادة، وبشكل خاطئ، بمبدأ مهم في أذهان البعض، وهو مبدأ “الفلسفة الوضعية -Pоѕitiviѕm ” أو ما قد يعبر عنه بمفهوم “المادية الطبيعانية -Materialism” تلك الفلسفة التي تؤسس لفكرة أن المعلومة الوحيدة الصحيحة هي المعلومة المستقاة من العلوم الطبيعية، أي المعلومة القابلة للاختبار والتحقق عن طريق مجموعة من طرق البحث والقياس. تبدأ برصد الملاحظات، ثم وضع افتراضات، ثم القيام بتجارب لتأكيد أو نفي الافتراضات، وهو ما يعرف بالطريقة الاستقرائية كما أسلفنا.
يؤمن أصحاب هذه الرؤية أن كل شيء غير قابل للقياس هو وهم، وبالتالي ترفض تلك الفلسفة أي حديث عن الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعيات. لكن أصحاب هذا المبدأ عادة ما يقعون في التناقض الذاتي لأن أسس العلم التجريبي نفسها كما أسلفنا قائمة في الواقع على مجموعة من المسلمات الذهنية المتعدية للقياس والاختبار.
بل إن الكثيرين من مؤيدي الفلسفة الوضعية قد يجنحوا هم أنفسهم إلى الإيمان بفكرة لا يمكن قياسها أو رصدها، وإدخالها عنوةً إلى حيز العلم بالرغم من عدم وجود أدلة عليها كما يقتضي المبدأ الطبيعي! على سبيل المثال “الأكوان المتعددة”.
أحد أهم الموضوعات المركزية في فلسفة العلوم، وفلسفة كارل بوبر بالتحديد، هو التفرقة بين العلم الحقيقي والعلم الزائف، وهو السؤال الذي قد يعتبره الكثيرين سؤال معضل بلا حل واضح! ذلك لأن الحدود بين الواديين قد تكون في كثير من الأحيان حدود نسبية وغير موضوعية.
هذا الخلاف القائم في تعيين التفرقة بين العلم الحقيقي والعلم الزائف والخلاف حول الأسس التي يتم على أساسها التفرقة ومدى موضوعيتها، قد تتسبب في الكثير من الأحيان في إشعال فتيل الخلافات بين المؤمنين بمحدودية الطرق العلمية الحالية في إعطاء كل الإجابات، أو حتى معظمها (ومنهم أتباع الأديان والفلاسفة) وبين العاملين في العلوم الطبيعية، بغض النظر عن مسوغ هذا الخلاف أو نتائجه، وعما إذا كان كل فريق قد كان منصفاً حقاً وموضوعياً في طرحه وفي موضوع الخلاف.
هذا الخلاف دفع بوبر إلى أن يعكف على دراسة ونقد وتحليل المنهج الاستقرائي، ومشكلة الاستقراء التي أثارها (ديفيد هيوم) والتي يمكن تلخيصها في هذا السؤال:
لماذا نسوغ لأنفسنا استدلال القضايا الكلية من القضايا الجزئية؟ أو بمعنى آخر، كيف نحكم على جزئيات لم نشاهدها ولا تقع في حدود إدراكنا وخبراتنا؟
وقد أعاد بوبر صياغة مشكلة المنطق الاستقرائي على هذا النحو: “هل يمكن تبرير القول بأن صدق نظرية كلية تفسيرية يقوم على أسباب تجريبية؟” ( 8 )

يرى بوبر ابتداءاً أن الاستنباط هو منهج الاستدلال العقلي الأكثر موضوعية، والأكثر توافقية وانضباطًا مع قواعد المنطق، وأن قدرتنا على التحقق منه أيسر بكثير من المتاح في حال الاستقراء. ولذلك، فهو يرى أن الاستنباط هو منهج الاستدلال العقلي المقبول الوحيد.
ويتفق بوبر مع هيوم في الإجابة على مشكلة الاستقراء، أننا لا يمكننا أن نبرر القول بصدق أي نظرية عن طريق أي عدد من الاختبارات الصادقة، لإننا إذ ذاك نرد صدق القضية الكلية إلى صدق الجزئيات دون أي سبب منطقي لهذا التعميم.
ويعتقد بوبر أننا يمكن فقط أن نفاضل بين النظريات حسب ما يتوفر لها من صدق الجزئيات، بل يمكننا حتى أن نفضل النظرية التي لم يثبت كذبها أو فشل توقعاتها بعد دون الحاجة إلى أي استقراء. وهو بهذا قد وضع مبدأ (قابلية التكذيب – Falsifiability) كمبدأ أساسي فوق (قابلية التحقق – Verifiability) كحد فاصل بين العلم الحقيقي والعلم الزائف. إذ لا يكفي عند بوبر أن تتوفر مشاهدات تؤيد النظرية، بل لابد أن تكون النظرية قابلة للتكذيب كذلك بواسطة حدث ما في ظروف معينة حتى يمكن اعتبارها علمية.
بل ذهب بوبر إلى أبعد من ذلك حيث زعم أن النظرية يمكن أن تكون علمية من دون أن تقدم أي أدلة استقرائية تفيد صحتها، بل فقط بتقديم شروط تكذيبها، لإن الاستقراء عنده محدود الفائدة على أي حال ولا يمكن الاعتماد عليه.
بمعنى آخر، فإن بوبر قد نقل طريقة الاستدلال والاختبار النظري من التحقق (استدلال إيجابي) إلى التكذيب (استدلال سلبي)، فالبيّنة (الملاحظة والتجربة) بدلًا من أن كانت تدعم فرضًا في المنهج الاستقرائي التقليدي صار عليها في منهج بوبر أن تكذبه وترفضه. ويرى بوبر أنه وإن تضافرت الأدلة الإيجابية الاستقرائية، فإن دليلاً واحداً سلبياً يكذب النظرية كافٍ لتكذيب النظرية وسقوطها. ولا نبالغ إن قلنا إن بوبر يرى أن المبدأ الاستقرائي هو مجرد خرافة من صنع البشر لا غير وأنه لا يمكن أن يكون معياراً للتمييز بين النظريات العلمية، ولا التمييز بين العلم الحقيقي والعلم الزائف!
تبعاً لهذه القواعد الأساسية في فلسفة بوبر، فإن النظرية غير القابلة للتكذيب – أي التي لا يمكن التنبؤ بوقوع حادث ما يمكن أن يُكذِّبها – هي نظرية غير علمية، لأنها تفتقد شرط الاستدلال على صحتها. أما النظرية التي يمكن اعتبارها علمية فهي التي تحدد ما الذي لا يمكن أن يحدث لو كانت فروضها صحيحة. إن فشل أي توقع واحد لأي نظرية علمية من وجهة نظر بوبر، هو فشل للنظرية كلها. ولا يعادل بوبر بين أن تكون النظرية (علمية) وبين أن تكون (صحيحة)، فهو على أي حال لا يرى أن أي نظرية علمية باستطاعتها أن تكون صحيحة تماماً.
يرى بوبر كذلك أن الممارسة العلمية تتميز بجهودها المستمرة لاختبار النظريات بالتجربة وإجراء مراجعات للنظرية على أساس نتائج هذه الاختبارات. وعلى هذا، فإن النظريات التي يتم “تحصينها” بشكل دائم من التخطئة عن طريق إدخال فرضيات جديدة مخصصة غير قابلة للتخطئة ولا يمكن اختبارها هي الأخرى، لا يمكن تصنيفها على أنها نظرية علمية.
صاغ بوبر فكرته في مثال بسيط مشهور هو مثال البجع الأبيض، حيث يخبرنا فيه أنه مهما كان عدد الحالات المشاهدة المؤيدة للحكم بأن (كل البجع أبيض) فإن حالة سلبية واحدة (وجود بجعة سوداء) سوف تجعلنا نحكم منطقياً بفشل النظرية. وبذلك يرى بوبر أن الطريق إلى تحصيل المعرفة يكون باستبعاد ونفي القضايا الكاذبة بمجرد ثبوت كذبها.
يمكننا بعد هذا الملخص حول المنهج الاستقرائي وفلسفة بوبر أن نقول إن المنهج العلمي على تنوع فلاسفته يقوم على قواعد أساسية متنوعة:
1️⃣ النقد: المنهج العلمي هو منهج نقدي، لا منهج تسليمي. يبحث صحة الفروض ويحاول إما إقامة الأدلة عليها أو محاولة نفيها وتكذيبها. فالمنهج العلمي لا يقبل فرضاً ما لمجرد أن من طرحه عالماً كبيراً، أو حاملاً لشهادة الدكتوراة، أو صاحب عقلية فذة، الأدلة فقط وكفايتها هي ما تثبت الفرض أو تنفيه لا وجاهة صاحب الفرضية ولا منصبه العلمي ولا انتسابه إلى أي هيئة أو جامعة.
2️⃣ الاستقراء: بالنسبة للمدرسة التجريبية الاستقرائية، فإنه لابد من وضع فرضيات قابلة للاختبار والتأكيد ابتداءاً، ثم استقراء الأدلة التجريبية عليها بالحس والتجربة وصولاً إلى نتائج تثبت أو تنفي تلك الفرضيات. أي نظرية تطرح فروضاً غير قابلة للاختبار أو التأكيد، فهي نظرية غير علمية في الأساس.
3️⃣ التحقق وإعادة التكرار: ونعني بذلك القدرة على إعادة اختبار النتائج للتأكد من صحتها. وهذه مسألة مهمة في العلم التجريبي، إذ يمكن أن تعطنا التجربة نتيجة في ظروف معينة، ثم تفشل في إعطائنا نفس النتيجة في نفس الظروف، أو في ظروف أخرى مختلفة.
4️⃣ قابلية التخطئة: بالنسبة لبوبر، فإن الطريقة الاستقرائية التقليدية غير مفيدة، يكفي فقط لاعتبار النظرية علمية أن تطرح فروضاً قابلة للتكذيب، والاستدلال في طريقة بوبر هو استدلال سلبي لنفي الفرضية وتكذيبها لا تأييدها. بالنسبة لهذه المدرسة، لا توجد نظرية يمكن أن نسميها (صحيحة)، فقط يمكننا أن نقول إن بعض النظريات أكثر قبولاً من غيرها.
لكن اللافت للنظر، مع الأسف، أن الكثيرين ممن يكتبون في فلسفة العلوم لا يقفون كثيراً عند هذا الفرق بين المدرستين، فتجدهم كثيراً ما يخلطون بين قابلية التحقق، وقابلية التكذيب، وينسبون لتلك المدرسة منهج وشروط المدرسة الأخرى وهكذا.
المصدر
( 8 ) محمد محمد قاسم، 1986، كارل بوبر – نظرية المعرفة في ضوء المنهج العلمي، دار المعرفة، ص 135

ashrafkotb

حاصل على بكالوريوس العلوم في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة بنها في مصر، وماجستير العلوم في إدارة نظم المعلومات، وماجستير الإدارة في تخصص إدارة المعلومات، وماجستير العلوم في إدارة النظم الهندسية، من جامعة ليستر في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى