علم بجد

علم بجد – مقال 15

الانفجارات الأحيائية

الانفجارات الأحيائية، حين يغيب التطور

عرضنا في المقال السابق أن الأدلة التي بين أيدينا تؤكد غياب التسلسل في السجل الأحفوري، وأن النماذج التي سعت لوضع تفسير أو فرضية بديلة عن التطور التدريجي لم تأت بجديد، ولم تستطع أن تقدم أي أدلة تؤيد حدوث تطور بين الممالك والشعب والفصائل والعائلات المختلفة، أو بعبارة أخرى، حصول أي تطور كبروي.
إن الناظر في تاريخ الأحياء، وما تخبرنا به الأدلة حقاً، سيجد أن تاريخ الأحياء قد مر بفترات تظهر فيها الأنواع بشكل مفاجئ ومتنوع بعد فترات من الثبات أو حوادث الانقراض الكبرى. وهذه الأحداث التي عجز التطوريين عن تفسيرها، ليست حدثاً فريداً واحداً كما يظن البعض، بل هي أحداث متكررة في تاريخ الأحياء.
لعل أكثر هذه الأحداث شهرة، هو ما يعرف بالانفجار الكامبري، والذي حدث في الحقبة الكامبرية (أو السيلورية كما الاسم القديم لها) لكن الأمر حقيقة من قبل ذلك، منذ بداية الأرض نفسها!
وسنعرض في هذا المقال تلك الانفجارات الأحيائية ما قبل الكامبري ونفرد المقال القادم إن شاء الله للانفجار الكامبري لأهميته.

الانفجار الأحيائي الأول (3.8 مليار سنة مضت)

تخبرنا الدراسة المنشورة في عام 2014 في دورية (نايتشر – Nature) أن الأرض قد شهدت حدثاً يعرف باسم (القصف الشديد)، وهو عبارة عن تساقط مجموعات من النيازك والشهب الثقيلة على الأرض. ذلك الحدث بدأ منذ حوالي ما يقرب من 4.1 مليار سنة واستمر حتى 3.8 مليار سنة مضت من عمر الأرض. كان هناك عدداً كبيراً من النيازك والشهب الثقيلة، بعضها كان أكبر بعشرة أضعاف من النيازك التي تسببت في انقراض الديناصورات الكبيرة. توضح الدراسة أن المحيطات الموجودة على الأرض كانت تغلي وفي حالة دائمة من البخر كنتيجة لتلك التصادمات الضخمة منذ أربع مليارات سنة مضت. إذاً، قبل ذلك الحدث كان مستحيلاً أن تنشأ الحياة، لأن محيطات الأرض قد تعرضت للتبخر عدة مرات. (72)
انتهي هذا الحدث منذ 3.8 مليار سنة مضت، وطبقاً للتوقعات الداروينية، فإنه من المفترض أن ننتظر لفترة طويلة جداً من الزمن حتى تشتعل شرارة التطور الأولى التي أنشأت الحياة بطريقة مجهولة لا نعرفها. لكن المدهش في الأمر، أن الحياة ظهرت منذ 3.8 بليون سنة مضت بالضبط.. بمعنى آخر، فالحياة ظهرت فجأة إلى الوجود في أول لحظة في التاريخ عندما كان ذلك ممكناً.
توثق الدراسة المنشورة في (نايتشر – Nature) أيضاً عام 2017 مجموعات من البكتيريا التي عثر عليها في كندا ويقدر عمرها بحوالي 3.77 مليار سنة في مجموعات من الصخور التي يرجح أنها كانت في أعماق المحيط. (73)
توثق دراسة أخرى أيضاً ظهور (البكتيريا الزرقاء) على الأرض منذ حوالي 3.8 مليار سنة، وهي بكتيريا معقدة تعمل بوظائف التمثيل الضوئي، والذي يعتبر أحد أعقد العمليات الأيضية في الحياة، وهناك العديد من هذه البروتينات الداخلة في عملية التمثيل الضوئي التي كان عليها أن تتطور حسب الافتراض الدارويني عبر خطوات تدريجية، لكن الأدلة تخبرنا أنها موجودة منذ اللحظة الأولي التي كان يمكن أن تنشأ فيها الحياة على الأرض.
بكتيريا لها خلية، وغشاء خلية مكون من عدة بروتينات، ولها حمض نووي، وعمليات غذائية معقدة ومتخصصة، كلها ظهرت دون تدرج ولا وقت انتظار (74)

الانفجار الجيني الآركي “القديم” (3.3 – 2.8 مليار سنة مضت)

في هذا التاريخ المبكر ظهر العديد من أنواع البكتيريا المختلفة، والعضيات وحيدة الخلايا. تخبرنا الدراسة المنشورة في دورية (نايتشر – Nature) أن ربع عدد العائلات الجينية الموجودة حالياً ظهرت في هذه الحقبة وبشكل متسارع أطلق عليه مسمي “التوسع الجيني الآركي أو العتيق”. مرة أخرى، ظهرت هذه الجينات الجديدة في فترة زمنية قصيرة. تقدم الدراسة مجموعة من “الاحتمالات” التي ربما نشأت بها بعض الجينات، لكنها لا تقدم في الحقيقة أية أدلة حقيقية عن كيفية نشوء مجموعات الجينات الجديدة. (75)

الانفجار الآفالوني “الحديقة الإدياكارية” (575 – 565 مليون سنة مضت)

لعل أول ما تلاحظه هنا هو الفارق الزمني الكبير بين 2.8 مليار سنة، و565 مليون سنة. لفترة تقارب 2.3 مليار سنة، لم يوجد في الأرض أي أشكال معقدة للحياة، لم يوجد إلا البكتيريا وأحاديات الخلية التي ظهرت في الانفجارات الأحيائية القديمة. ثم وبدون أي أشكال وسيطة، ولا تطور تدريجي، تظهر بعض الحفريات الدقيقة المبكرة وهي حفريات يستطيع حتى الإنسان العادي أن يميز أنها حفريات لكائنات حية.
ظهرت تلك الحفريات خلال حدث أطلق عليه علماء الحفريات – وهي تسمية ليست من فراغ – حدثاً انفجارياً، وهو المعروف “بالانفجار الآفالوني”. في هذا الحدث الانفجاري نجد أول حفريات كبيرة لكائن حي بحري لاطيء عجيب (كائن لا عنقي يشبه أوراق النباتات). لا أحد يعرف ما هو تصنيف هذه الكائنات بالتحديد، ولا نعرف ما إذا كانت طحالب أو نباتات أو كائنات وحيدة الخلية عملاقة أو حيوانات. (76)
أطلق على مجموعة الكائنات هذه اسم “حديقة إيدياكارا” ولا يوجد دليل على تغذية هذه الكائنات التي لديها شكل نسقي غريب يطلق عليه (النسق الانزلاقي – Glide Symmetry) فهي ليست متماثلة على جهتي اليمين واليسار ولكن بشكل ما مرفوعة يميناً ويساراً. لديها نمط نمو متشعب، وشكل مبطن غريب، وبلا أعضاء داخلية، وقد ظهرت فجأة إلى الوجود خلال فترة من الزمن قدرت بعشرة ملايين سنة من بداية العصر الإدياكاري، ولا يوجد مؤشر على وجود حفريات في الطبقات الأقدم منها، ولا أي أشكال وسيطة تبين كيف تطورت من أحاديات الخلايا. وقد تم تصنيف هذه الكائنات في شعب منفصلة أحيائياً عن شعب الكائنات الموجودة حالياً.
في الصورة أدناه بعض أشكال الكائنات التي ظهرت في تلك الحقبة.
المصدر
(72) Marchi, S., Bottke, W., Elkins-Tanton, L. et al., 2014, Widespread mixing and burial of Earth’s Hadean crust by asteroid impacts. Nature 511, 578–582(73) Dodd, M., Papineau, D., Grenne, T. et al, 2017, Evidence for early life in Earth’s oldest hydrothermal vent precipitates. Nature 543, 60–64(74) Jeff Hecht, 2013, Photosynthesis began on Earth 3.8 billion years ago, New Scientist, 217, 2905, P9(75) David, L., Alm, E., 2011, Rapid evolutionary innovation during an Archaean genetic expansion. Nature 469, 93–96(76) Laflamme, M., Darroch, S. A. F., Tweedt, S. M., Peterson, K. J. & Erwin D. H., 2013, The end of the Ediacara biota: Extinction, biotic replacement, or Cheshire Cat? Gondwana Research 23, 558–573

ashrafkotb

حاصل على بكالوريوس العلوم في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة بنها في مصر، وماجستير العلوم في إدارة نظم المعلومات، وماجستير الإدارة في تخصص إدارة المعلومات، وماجستير العلوم في إدارة النظم الهندسية، من جامعة ليستر في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى