علم بجد

علم بجد – مقال 14

التوازن المتقطع

التوازن المتقطع، هل حل المشكلة؟

عرضنا في المقال السابق لتقييم فرضية السلف المشترك العام التطورية في ضوء قابليتها للتكذيب، وعرضنا أقوال العلماء التطوريين في كم الأدلة السلبية التي تواجه هذه الفرضية بسبب الانقطاعات الكبيرة في تاريخ الحياة، وثبات أصول الأنواع في التاريخ الأحيائي.
وتناولنا كذلك في مقال سابق بتلخيص سريع فكرة (التوازن المتقطع أو النقطي – Punctuated Equilibrium) وهو أحد الإصدارات التطورية التي تم تطوريها على يد كلاً من العالمين الأمريكيين نيلز إلديرج، وستيفن جاي غولد اللذان صرحا بوضوح بالحقيقة التي كان يخجل علماء التطور لوقت طويل من التصريح بها، وهي أن تاريخ الحياة لا يدعم فكرة التطور التدريجي.
اعْتُبِر هذا الإصدار كمحاولة لحل مشكلة النقص البالغ في السجل الأحفوري، فاعتبرت هذه الفرضية أن النقص في السجل الأحفوري شيء طبيعي، وأنه هو النتيجة الطبيعية للتطور! لكن، كيف يصبح التوقع وعكسه كلاهما دليل على صحة الفرضية؟
إن داروين قد جادل أن فرضيته تتوقع وجود عدد لا نهائي من الأشكال الوسيطة، وأن الطبيعة كما قال “لا تقوم بقفزات” وأن التغير لابد أن يكون بطيئاً لأن التغيرات السريعة الكبرى لابد أن تنتج “مسوخاً”، أو بمعنى آخر، أفراد غير قادرة على العيش والبقاء والتكاثر، وأن أي تغيرات كبرى أو قفزات، لابد أن تنمحي داخل النوع. فكيف يكون التوقع المغاير تماماً، أن التطور يحدث في قفزات كبرى وبشكل سريع، هو أيضاً مؤيداً لنفس الفرضية؟
يمكننا هنا أن نسترجع ما ذكره بوبر وغيره من أن النظريات التي يثبت فشل فرضياتها تحاول دائماً أن تضع فرضيات إضافية فرعية (Ad-hoc hypothesis) لكي تحصن نفسها ضد قابلية التكذيب!
طبقًا لنموذج التطور المتقطع، فإن الأنواع الجديدة تنشأ بسرعة في مجموعات طرفية صغيرة معزولة، ثم بفعل الانعزال والضغوط البيئية يحدث ما يسمى (تطوراً انفجارياً)، أي مجموعة من التغيرات المورفولوجية السريعة، ثم تنتشر على إثرها تلك التغيرات على نطاق جغرافي واسع، ويتبع ذلك بعض التغيرات الطفيفة فقط.
يجادل إلدريدج وغولد أنه إن كان التطور يحدث بسرعة وفي مجموعات صغيرة منعزلة، فإن هذا بلا شك هو السبب في ضآلة فرصة تحجر الأشكال الأحفورية الوسطية. ولذلك، نحن لا نجد تلك الأشكال الوسيطة ولا التدرج الذي افترضه داروين، أو كما يقول غولد: ” تلك الأحداث تقع بسرعة شديدة في مجموعات صغيرة للغاية، وبذلك يتوافق السجل الأحفوري مع توقعات النظرية التطورية” (68)
لقد اعتمد نموذج التطور النقطي بشكل أساسي على “احتمال” أن تثبيت الصفات الجديدة الناشئة في مجموعات أصغر سيكون أكبر لأن تلك الصفات لن تحتاج للانتشار عبر عدد كبير من الأفراد.
وافترض النموذج كذلك أن الانتخاب الطبيعي لا يحدث على مستوى الأفراد داخل النوع، وإنما على مستوى الأنواع.
تقوم الأنواع في التطور الكبروي macroevolution بنفس الدور الأساسي الذي يقوم به الأفراد في التطور الصغروي microevolution، أي أن الانتخاب الطبيعي يعمل على الاختلافات الكبيرة في الأشكال البيولوجية ككل بين كامل الأنواع، وليس على الاختلافات بين أفراد النوع الواحد.
لكن هل هذا الاحتمال قابل للقياس أو الاختبار عبر سلسلة من الأحداث الماضية التي أنشأت كل الأنواع الحية؟ الإجابة هي أن هذا لا يمكن تحققه، لأن الفرضية تفترض ضمنياً “اختفاء” الأشكال الوسيطة. فهي تفترض أن هناك ثمة دليل لن يمكننا العثور عليه لأنه غير موجود!
وهكذا ببساطة، يتم حل المشكلة، بوضع فرضية إضافية أخرى للفرضية الأساسية لأن الأدلة أثبتت خطأ تنبؤات الفرضية الأساسية.
لكن في الواقع، فإن ما ينطبق على الفرضية الأساسية من أنها غير قابلة للاختبار أو التحقق، ينطبق على تلك الفرضية أيضاً. فإنه من غير الممكن تعميم بعض الاستقراءات الناقصة على أحداث ماضية، خصوصاً تلك الأحداث المتعلقة بالفجوات الممنهجة الأكبر بين الشعب والفصائل والعائلات.
إن الفجوات التي تفصل بين بعض الأنواع، كالكلب والذئب، والفأر والجرذ، تافهة تمامًا مقارنةً –على سبيل المثال– بتلك الفجوات التي تفصل بين ثديي أرضي بدائي وحوت، أو بين زاحف أرضي بدائي وديناصور، وحتى تلك الفجوات الكبيرة نسبيًّا، ليست شيئًا يذكر بجانب الفجوات الكبيرة للغاية التي تفصل بين الشعب الرئيسية، كالرخويات والمفصليات.
فالنموذج لا يفسر كيف يمكن وصل تلك الفجوات من خلال نوع واحد أو اثنين من الأشكال الانتقالية المعزولة في مناطق جغرافية محدودة. بالتأكيد لابد من اشتمال مثل تلك التحولات على سلالات طويلة تضم العديد من التفرعات الجانبية البالغ عددها مئات أو ربما آلاف الأنواع الانتقالية وفي مناطق مختلفة من العالم.
فكيف اختفت مئات وآلاف وربما ملايين الأشكال الانتقالية هذه، مع أنه من المفترض أن تشغل مناطق معزولة مختلفة، وأن يظهر أثر انتشارها واضحاً بعدها؟
لا تتفق الأدلة التي عثر عليها في السجل الأحفوري أيضاً مع هذه الفرضية، لأن السجل الأحفوري يظهر “انفجارات أحيائية” متعددة في فترات جيولوجية مختلفة، تظهر فيها مجموعات كبيرة متغايرة ومنفصلة من الأشكال الأحيائية بعد فترات انقراض، فكيف تحصل التغيرات السريعة في مجموعات صغيرة منعزلة إذا لم يكن هناك أصلاً مجموعات أحيائية كبيرة سابقة ليحصل فيها الانتواع؟
لا يقدم هذا النموذج أيضاً أي آلية تشرح كيفية ظهور الحيوانات الممثلة للتصنيفات العليا، أو المخططات الجسدية الأساسية، أو البنى المعقدة التي تظهر فجأة. فما كان من غولد إلا أنه عاد واعترف أنه لا يملك أي آلية لنشوء هذه البنى المعقدة، فعاد للاحتجاج بآليات الانتخاب الطبيعي التقليدية والتي كان من المفترض أن تؤدي للتدرج في السجل الأحفوري، لا الانقطاع، فقال في آخر كتبه: ” أدرك أننا لا نعرف أية آلية تؤدي لنشوء سمات الكائنات الحية سوى آلية الانتخاب الطبيعي التقليدية على مستوى الأفراد” (69)
إن نموذج التطور المتقطع قد حظي بمعارضة شديدة من قبل التطوريين أنفسهم، حتى أن بعضهم أطلق على تلك الفرضية اسم (التطور في نظر الحمقى) (70).
وقد لخص علماء البيولوجيا التطورية (برايان تشارلزوورث) و(مونتغومري سلاتكين) و(راسل لاندي) الموقف العام من نموذج التطور النقطي في ورقتهم البحثية فقالوا:
“إن الآليات المقترحة من قبل أنصار التوازن المتقطع، والتي يفترض أنها تشرح الظهور المفاجئ للعديد من الأنواع وثباتها بشكل طويل الأمد، تفتقد للأدلَّة التجريبية الداعمة بكل وضوح”(71)
المصدر
(68) Gould, S.J. (1980) The Panda's Thumb, W.W. Norton and Co, New York and London, p 184(69) Stephen Jay Gould, 2002, The Structure of Evolutionary Theory, Harvard University Press, P 710(70) Jonathan Rée, 2007, Evolution by Jerks, Stephen Jay Gould's last work reviewed(71) Brian Charlesworth, Russell Lande and Montgomery Slatkin, 1982, Evolution, 36, 3, pp. 474-498

ashrafkotb

حاصل على بكالوريوس العلوم في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة بنها في مصر، وماجستير العلوم في إدارة نظم المعلومات، وماجستير الإدارة في تخصص إدارة المعلومات، وماجستير العلوم في إدارة النظم الهندسية، من جامعة ليستر في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى