علم بجدفلسفة العلم

علم بجد – مقال 2

العلم وتعريفه

الـعـلـــــم

من الممكن أن نصف كل شيء علمياً، ولكن ذلك لن يكون له معنى. كما لو كنت ستصف سيمفونية لبيتهوفن على أنها اختلافات في ضغط الموجات الصوتية – ألبرت آينشتاين

تعريف العلم

كثيراً ما يتبادر إلى أذهان الناس حين تقال كلمة (علم) أن ذلك يعني حصرياً العلوم الطبيعية والتي يطلق عليها إجمالاً في اللغة الإنجليزية كلمة (Science)، دون النظر إلى المعنى الأعم والأشمل للعلم. وذلك في الغالب قد يكون راجعاً إلى طغيان العلوم التجريبية وإنجازاتها في حياة البشر مؤخراً. لكن معنى العلم في الواقع أشمل وأعم من العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والبيولوجي وغيرها.
إن العلم بمعناه الأشمل يعني (المعرفة) أو التوصل إلى اعتقادٍ صادق منافٍ للجهل، أو التوصل إلى إدراك الشيء على ما هو عليه (1) وفي الواقع، فإن نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) بمعناها الأعم الذي يختص بتعريف المعرفة ومصادرها تعتبر أحد الأركان الأساسية للفلسفة الحديثة، والتي شيدت على ما سبقها من الفلسفة العقلية الوجودية التي سبقت نشوء الفلسفة المعاصرة بقرون طويلة.
لكن ما يلفت النظر هنا، إلى أننا كبشر وإلى الآن، نفشل دائماً في إعطاء تعريفات شاملة للمفاهيم. فكل ما عليك هو أن تفتح كتاباً في أي مجال حتى تجد تعاريف شتى للمفهوم الواحد، وتقسيمات مختلفة منقسمة للعلم أو المعرفة. فستجد مثلاً التقسيم المشهور للمعرفة إلى: معرفة قبلية – وهي المعارف الأساسية الضرورية التي لا تحتاج إلى تجربة – والتي قال بوجودها الفلاسفة العقلانيون منذ عصر الفلسفة اليونانية كأفلاطون وانتهاءاً بالفلاسفة العقلانيين مثل ديكارت وليبتنز ومن بعدهم، ومعرفة بعدية – تتكون فقط بالحس والتجربة – والتي حصر الفلاسفة التجريبيون مثل جون لوك، وديفيد هيوم، المعرفة فيها. أو ستجد تقسيم المعرفة حسب الإدراك والوصف كما قسمها برتراند راسل (2).
ولعل تلك التقسيمات هي ما أدت إلى تقسيم طرق الوصول إلى المعرفة، أو طرق الاستدلال، إلى التقاسيم التي نعرفها حالياً في الوسط الأكاديمي بطرق الاستنباط والاستقراء.
فإن الفلسفة العقلانية أعلت من شأن العقل، ومن شأن المقدمات البديهية الأولية والتي تبنى عليها كل المعارف الأخرى، بل وشككت في أن كل معرفة لا تأت بالاستنباط من مقدمات صحيحة بالضرورة هي معارف ناقصة ومشكوك فيها، مثل تلك المعارف المكتسبة بالحس والتجربة (3) بينما اقتصر بعض الفلاسفة التجريبيين على الاستقراء الناتج عن المشاهدة والتجربة كوسيلة للمعرفة.
لكن السؤال الذي يقض مضجع الفلسفة التجريبية كان وما زال: كيف يمكننا الثقة بالحواس والتجربة كمصدر للمعرفة دون الإقرار بمقدمات بديهية ضرورية؟
إن أي شخص عاقل لن يجادلك أبداً في أن (1+1 = 2)، ولن يجادلك أبداً في أن الضدان لا يجتمعان، لكنه يستطيع بكل بساطة أن يتهم حسك أو تجربتك (استقراءك المعرفي) بالنقص وعدم الإحاطة والاكتمال. كما أن أي محاولة لنقض البديهيات الأولية سينتج عنه بالضرورة نقض التجربة والحس، فحين يدخل أحدهم المعمل وهو يظن أن نتيجة التجربة وضدها من الممكن أن يجتمعا في آن واحد، فقد حكم على نتائج تجربته ابتداءاً بالفشل، إذ ليس هناك معنى أن تنتج التجربة نتيجتان متضادتان في آن واحد وفي نفس الظروف وباستخدام نفس المتغيرات.
وكذلك فإن العالم الذي ينكر بديهة السببية أو العلية – أن لكل حادثة سبب أو علة – سيرتدي في نفس الوقت معطفه ويدخل معمله ليدرس أسباب الظواهر التي يراها، والتي يعتقد يقيناً أنها تحدث لسبب يبحث عنه، وإلا فإن دخوله المعمل هو نفسه بلا سبب!

الاستنباط والاستقراء، ضدان أم متكاملان؟

كما ذكرنا آنفاً، فإن طرق الاستدلال التي يعود إليها العقل البشري يمكن تلخيصها في طريقتين أساسيتين هما طريقة الاستنباط (Deduction) وطريقة الاستقراء (Induction) ولكل منهما أسلوب ومنهج يميزه عن الآخر، ولعل أهم المشكلات التي تعترض المبتدئين في مجال العلوم هو خلطهم في كثير من الأحيان بين طريقتي الاستدلال، بل وفي بعض الأحيان، الرغبة في وضع إحداهما موضع الأخرى، أو الاقتصار على إحداهما حصرياً دون الأخرى.
يقوم منهج الاستنباط على الحصول على معلومة خاصة من معلومة عامة، كأن نقول مثلاً:
كل البشر يموتون
علي بشر
إذاً علي يموت
وبالتالي، فإن الاستنباط هو عملية عقلية تحليلية، ترتكز أساسًا على استنتاج النتيجة من مقدماتها بشكل مبسط. وبذلك يتخذ الاستدلال العقلي طريقه من الكلي إلى الفردي، أو من العام إلى الخاص.
على الجانب الآخر، فإن الاستقراء يسير في عكس هذا الاتجاه، فهو ينطلق من الجزئيات الخاصة بظاهرة معينة أو فئة معينة وصولاً إلى محاولة معرفة الحكم الكلي ولأجل استخراج قاعدة عامة أو قانون عام للظاهرة أو الفئة موضع البحث، وذلك كأن نقول مثلاً:
هذا المعدن يتمدد بالحرارة
وهذا أيضاً يتمدد بالحرارة
بتكرار التجربة، إذاً كل المعادن تتمدد بالحرارة
فالاستقراء هنا يقوم على التجربة والمشاهدة، وقراءة الواقع، وجمع ما يمكن جمعه من ملاحظات بقصد تكوين قانون عام جامع للمعاني الكلية لمختلف الجزئيات من نفس النوع.
على عكس الاستنباط، ولأن الاستقراء يقوم بالأساس على الحس والتجربة، فإن الاستقراء ينقسم إلى تقسيمين أساسيين حسب ما يغلب على قوة الاستقراء وحدوده (4):
1) الاستقراء التام: وهو الانتقال من الجزئيات إلى القواعد الكلية بعد فحص جميع الحالات الجزئية الممكنة بلا استثناء، وذلك حتى يمكن تطبيق القاعدة العامة على كل الجزئيات.
2) الاستقراء الناقص: وهو الانتقال من (بعض) الحالات الجزئية المحدودة والمحصورة في مجال تجربة معينة أو في ظروف معينة، ثم تعميمها إلى قواعد كلية.
المصدر
1) أحمد الكرساوي، 2018، مدخل إلى نظرية المعرفة، مركز تكوين للدارسات والأبحاث، ص 172) المصدر السابق، ص 233) المصدر السابق، ص 284) محمد محمد قاسم، 1986، كارل بوبر – نظرية المعرفة في ضوء المنهج العلمي، دار المعرفة، ص 98

ashrafkotb

حاصل على بكالوريوس العلوم في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة بنها في مصر، وماجستير العلوم في إدارة نظم المعلومات، وماجستير الإدارة في تخصص إدارة المعلومات، وماجستير العلوم في إدارة النظم الهندسية، من جامعة ليستر في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى