التطور والداروينية

العروض التطورية

التطور ولعبة الساحر

أنا في الحقيقة أعتبر أن “العروض التطورية”، على اختلاف مشاربها واتجاهاتها، تشبه في غالبها عرض “ساحر السيرك” الذي يحاول لفت انتباه المشاهدين إلى الأرنب الذي يخرجه من القبعة بسرعة، ليقوم بتشتيتهم بعيداً عن أصل المسألة والخدعة الموجودة في اللعبة.

فسنجد مثلاً أحدهم يذكر أمثلة لا يعترض عليها أحد أصلاً، وليست محل الخلاف، على سبيل المثال:

– تغير لون حشرة العث المفلفل
– تغير درجة ألوان ريش بعض الطيور

ليخبرك أن كل شئ يسير على ما يرام في التطور، وهو في هذا يصرف نظرك عن المشكلة الأساسية، فنحن لا نعترض من الأساس على وجود بعض الاستقراءات التي تؤكد حصول بعض التغيرات الطفيفة في الأنواع استجابة للتغيرات البيئية، نحن نعترض على تعميم هذا الاستقراء بلا أدلة ليشمل كل الكائنات على وجه الأرض!

لقد افترض داروين أن كل الكائنات الحية على اختلاف أنواعها ما هي إلا أحفاد من أسلاف سابقة نشأت عن طريق تغيرات تراكمية طفيفة، وأن كل الكائنات الحية على الأرض قد انحدرت من سلف واحد مشترك قديم كان هو أول أشكال الحياة أو ما يعرف في كتب البيولوجيا بالسلف المشترك العام – Universal Common Ancestor عبر أعداد تفوق الحصر من التغيرات التدريجية البطيئة والأشكال الوسيطة. تلك الفكرة التي عبر عنها داروين، وما زال يعبر عنها البيولوجيين في كتبهم على شكل “شجرة الحياة” التي تنطلق من أصل واحد ثم تتفرع إلى كل الكائنات.

هذه الفرضية نفسها قامت على استقراء ناقص وصولاً إلى تعميم استقرائي، وهذا التعميم غير قابل للاختبار Untestable، وغير قابلة للتحقق Unverifiable لأنه لا يتعلق بمسألة يمكن رصدها في المستقبل لتأكيد الفرضية تجريبياً ومن ثم تأكيد صحة التعميم الاستقرائي، بل يتعلق بمجموعة من الأحداث الماضية التي لا يمكن رصدها، ولا اختبارها، ولا التحقق منها، ولا إعادة تجربتها.

بمعنى آخر، حتى لو ثبت لدينا بيقين أن بعض الأنواع الفرعية sub-species قد تحورت من أسلاف سابقة بآلية ما (نعرف الآن يقيناً أنها ليست الآليات الداروينية العشوائية)، كما هو الحال مثلاً في مشاهدات داروين مع عصافير غالاباغوس، أو حتى أن هناك أنواعاً جديدة بالكلية أو عائلات جديدة نشأت من أنواع سابقة كما يفترض التطوريون (أيضاً بلا أدلة)، فإن هذا لا يعني بالضرورة صحة تعميم الاستقراء على كل الكائنات في الحاضر والماضي والمستقبل. بل إن اليقين غير متوفر على الإطلاق في الأمثلة الاستقرائية نفسها التي يطرحها التطوريون.

يقول عالما الأحياء البريطانيين (ماي وان Mae-Wan وبيتر سوندرز Peter Saunders) عن هذا اللهو التطوري:

“لقد مضى الآن حوالي نصف قرن منذ أن تمت صياغة التركيبية الحديثة للتطور وقد تم إجراء مجموعة كبيرة من الأبحاث .. ورغم ذلك، فإن نجاحات النظرية محصورة في التطور الصغروي – مثل التغير التكيفي في التلون عند العث – بينما وبشكل ملحوظ، ليس لديها سوى القليل لتقوله عن التساؤلات المهمة بشكل أكبر – على سبيل المثال – كيف نشأ العث أصلاً”

إن التطوري يلفت نظرك دائماً إلى السؤال الأقل أهمية (كيف تغير لون العث؟) ولا يجيبك ولن يجيبك بل هو يسعى إلى لفت انتباهك عن السؤال المهم (كيف نشأ العث أصلاً؟) .. أو بالأحرى، كيف نشأت ملايين الأنواع الأخرى.

ashrafkotb

حاصل على بكالوريوس العلوم في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة بنها في مصر، وماجستير العلوم في إدارة نظم المعلومات، وماجستير الإدارة في تخصص إدارة المعلومات، وماجستير العلوم في إدارة النظم الهندسية، من جامعة ليستر في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى