علم بجد

علم بجد – مقال 22

التطور المتقارب

التطور المتقارب .. حل أو إشكال أكبر؟

استعرضنا في مجموعة المقالات السابقة فكرة “التشابهات دون أسلاف”، ونجد أنفسنا هنا طبقاً لما استعرضناه من أدلة، وطبقاً للسيناريو التطوري مضطرين إلى التصديق أن هناك العديد من الكائنات تتشابه مورفولوجياً، ووظيفياً، وجينياً، كلها عن طريق مجموعة من الخطوات العشوائية التدريجية المختلفة، ودون أسلاف مشتركة، لتؤدي بمحض الصدفة إلى تكون مجموعة من الصفات والأجهزة المعقدة دون وراثة من أسلاف مشتركة.
وهذا هو ملخص ما يطلق عليه التطوريون مصطلح (التطور المتقارب – Convergent Evolution) وهي فرضية أخرى جديدة يحاول بها التطوريين إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتحصين نظريتهم ضد التكذيب.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كان يمكن اللجوء إلى تفسير التشابه من دون اللجوء إلى افتراض وجود سلف مشترك، فما هي القيمة العلمية إذاً لافتراض وجود أي سلف مشترك من الأساس؟
وما هي الأدلة التي يقدمها التطوريون أصلاً على نشوء الصفات المستحدثة في تلك الكائنات، التي ليس بينها أية أسلاف مشتركة؟ وما هي الآليات التي يطرحونها لذلك؟ في الواقع لا شيء على الإطلاق.
إن الاستناد إلى مبدأ (لأننا قلنا هكذا – Because we Said So) ليس من العلم على الإطلاق، بل هو من السفسطة. كما أن مبدأ التطور المتقارب نفسه إنما يحاول تفسير نشوء الصفات تفسيراً غائياً، لا مادياً.
فالتطوري يزعم أن الكائنات المختلفة قد طورت أجهزة متشابهة لأنها عاشت في نفس الظروف البيئية. أي بمعنى آخر، لأن هذه الأجهزة كانت هي المطلوبة (الغاية) في هذه الظروف. وبالتالي يصبح مفهوم التطور المتقارب هو: لقد تطورت، لأنها قد تطورت.
ولذلك يقول عالم الدراسات الجزيئية (بي جي فراي – B. G. Fry) من جامعة ملبورن باستراليا:
“يتم استدعاء التطور المتقارب (كاعتذار) عن أوجه التشابه التطوري بين البروتينات الداخلة في تركيب السموم الموجودة في جميع السلالات الحيوانية، بما في ذلك المفصليات، ورأسيات الأرجل، والفقاريات” (129).
كما تخبرنا دراسة أخرى أن “اكتشاف التطور الموازي ليس فقط في اثنين، ولكن في العديد من الحشرات العاشبة، يزيد من أهمية دراستنا للموضوع، لأنه من غير المرجح أن يحدث مثل هذا التطور المتوازي المتكرر ببساطة عن طريق الصدفة” (130).
ويناقش (جافين دي بير – Gavin de Beer) عالم الأجنة البريطاني والمدير السابق للمتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي ذلك الفشل في العثور على أساس جيني وجنيني للتماثل، في دراسته المعنونة (التماثل، معضلة بلا حل) فيقول:
“لا تحتاج البُنى المتماثلة أن تتحكم فيها جينات متطابقة، ولا يوحي تماثل الأنماط الظاهرية ضمنيًّا بتشابه الأنماط الوراثية” (131).
وبالتالي، ينفك هذا التلازم بين التشابه والتحدر من سلف مشترك طبقاً للأدلة. ولم تنجح فرضية التطور المتقارب في إعطاء أي أدلة علمية عن كيفية حصول التشابه دون وجود أسلاف مشتركة سوى التفسير الغائي (لقد تطورت هكذا، لإنها احتاجت أن تتطور هكذا).
في الواقع، فإن كل مثال في الكائنات الحية يحتاج إلى التدخل العاجل للتطور المتقارب، هو في نفس الوقت دليل آخر جديد على فشل التوقعات التطورية، ودليل آخر أن التطور نظرية غير علمية تحاول تحصين نفسها ضد التكذيب بإضافة المزيد والمزيد من الفروض الثانوية التي لا تفسر هي نفسها أي شيء.

المصدر
(129) Fry, B. G., K. Roelants and J. A. Norman, 2009, Tentacles of Venom: Toxic Protein Convergence in the Kingdom Animalia. Journal of Molecular Evolution 68: 311–321(130) Princeton University, 2012, Far from random, evolution follows a predictable genetic pattern. ScienceDaily.(131) De Beer, G., 1971, Homology: An Unsolved Problem, Oxford University Press, London

ashrafkotb

حاصل على بكالوريوس العلوم في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة بنها في مصر، وماجستير العلوم في إدارة نظم المعلومات، وماجستير الإدارة في تخصص إدارة المعلومات، وماجستير العلوم في إدارة النظم الهندسية، من جامعة ليستر في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى