علم بجد

علم بجد – مقال 20

معضلة أطراف السلمندر

معضلة أطراف السلمندر

بدأنا في المقال السابق مناقشة مشكلة (تشابهات بلا أسلاف)، وأعني بها وجود تشابهات أو صفات قريبة بين كائنات يقر التطوريون أنه ليس بينها وبين بعضها سلف مشترك، أو على العكس، صفات موجودة في بعض الكائنات مخالفة لمفهوم التحدر من سلف مشترك.
واليوم نتكلم عن بعض أمثلة أخرى لهذه المعضلات التي تشكل كلها أدلة سلبية ضد الفروض التطورية.
المعضلة هنا تخص كائن “السلمندر”!

عند كل الكائنات رباعية الأرجل المدروسة، وجد العلماء أن الهيكل العظمي للأطراف الأمامية/الخلفية يتطور جنينياً وفق نمط (مخطط) واحد، حيث يبدأ تشكل العظام بترتيب زمني ومكاني محدد ودقيق جداً ومحفوظ، أما عند مجموعة الحيوانات البرمائية المسماة بالسلمندرات أو السمندرات Urodela، والتي تبين أنها تختلف عن نمط التطور الجنيني (الترتيب الزمني والمكاني) عند باقي رباعيات الأرجل بطرق أساسية كما تخبرنا به مراجعة شاملة لهذا الموضوع.
تقول الدراسة:
“إن نشوء الهيكل العظمي لأطراف السلمندرات يختلف بشكل عميق من عدة جوانب عن نمط رباعيات الأرجل المحافظ هذا (أي النمط العام عند بقية المجموعات)” (114).
ما يجعل من هذا الاختلاف دليل تكذيب للفرض التطوري ليس فقط شذوذ مُخطط نمو أطراف السلمندرات عن النمط العام لرباعيات الأرجل، بالرغم من الاعتقاد بأنهم يشتركون في سلف مشترك واحد، بل ما يجعل الأمر معضلة حقيقية هو ما يتطلبه الأمر لكي يتغير نمط تطور هذه الأطراف، والذي من المفترض أن نشؤه وتثبيته قد تم عند ظهور السلف المشترك لكل رباعيات الأرجل، وقد أورثه لكل أسلافه من بعده..
إن نمط تشكل الهيكل العظمي لأطراف رباعيات الأرجل هو صفة أساسية لا يمكن المساس بها عبر إحداث طفرات عليه، فالمخطط التشريحي النهائي للأطراف يُبني عليه. إذًا فأي تغيرٍ لهذا النمط المركزي سيجعل من أي خطوات مستقبلية أمرًا غير ممكن، لاعتماد هذه الخطوات المستقبلية في حدوثها على وجود المخطط الأساسي وليس أي نمط آخر ناتج عن الطفرات! هذا الاعتماد المستقبلي يجعل من تغير النمط أمرًا متعذرًا وهو ما يعطى للمعضلة قوتها.
فلا عجب إذًا من اعتراف مؤلفي الدراسة بعدم وجود جواب على كيفية تطور هذا النمط الشاذ بالرغم من التاريخ الطويل لدراسة التطور الجنيني لأطراف السلمندر، إذ تقول الدراسة:
“بالرغم من هذا الانحراف المدهش عن النمط المحفوظ في رباعيات الأرجل وبالرغم من تاريخ البحث الطويل في تكون أطراف السلمندر، إلا أن التاريخ التطوري لهذا النمط يبقى غير واضح (نمط السلمندر)” (115)
هذا الاختلاف المدهش -كما يصفه أصحاب هذه الدراسة- يحتاج تفسيرًا. وقد لجأ بعض العلماء قديماً إلى فكرة التطور المتوازي أو المتقارب – Convergent Evolution التي سنشرحها بالتفصيل لاحقاً (116)، فاقترحوا أن السلمندرات تطورت وحدها باستقلالية عن باقي رباعيات الأرجل، لكن هذا الاقتراح يسبب مشاكل جمة لشجرة الحياة التطورية المفترضة، ذلك لأن العديد من الصفات الأخرى تفترض أن رباعيات الأرجل تتشارك في سلف مشترك واحد.
إذًا يبدو أننا نواجه مثالًا على التضارب بين مختلف الصفات في شجرة الحياة المفترضة، تضاربًا عويصًا للغاية، ولهذا احتاج التطوريون حلًا لهذه الأزمة! وهذا الحل تمثل في التخلص من فرضية التطور المتقارب/المتوازي عبر إيجاد طريقة لشرح كيف لهذا النمط أن يتغير ويتطور من النمط العام الذي نجده عند باقي رباعيات الأرجل، وهذا ما تم فعله وطرحه كفرضية في إحدى الدراسات عام 1999 (117) ولكن للأسف فإن الفرضية المطروحة على الرغم من محاولتها حَلَّ جزءٍ من المعضلة فقط قد فشلت في ذلك وتبين بطلانها كما بين أصحاب المراجعة في الدراسة السابقة.
بعد أن يئس التطوريون من إيجاد تفسير تطوري للمعضلة، لجأوا إلى وضع تفسيرٍ غائيٍّ، ففسروا وجود هذا النمط المميز في السلمندر باقتراح وظائف ممكنة له!
تقول الدراسة: “الفرضية الأكثر قبولًا حاليًا لشرح تطور الأطراف هو أنها ظهرت كتأقلم لليرقات التي تسبح بحرية للتسهيل من تفاعلها مع الوسط بينما الأطراف تتشكل”
أي أنهم اقترحوا سبباً وظيفياً (غائياً) لوجود النمط وليس تفسيراً. تفاسير الأشياء بالاعتماد على الأهداف النهائية التي وجدت من أجلها تسمى تفاسيراً غائية “Teleological Explanations” وهي من علامات وجود هدف وغاية وقصد وإرادة، وليست تفاسيراً مادية.
التفاسير الغائية لا تفسر (كيف) وُجدت الأشياء، بل (لماذا) وُجدت. فالتفسير الذي تقدمه الدراسة، بالإضافة إلى كونه اعترافاً ضمنياً بالغائية في الحياة، فإنه لا يعتبر تفسيراً لكيفية ظهور هذا النمط.. فهو أشبه بشخص حاول تفسير ظهور السيارة بقوله “لقد وجدت السيارة لكي يركبها الناس ويتنقلوا بها لمسافات طويلة بدون تعب”!
إن لم يمثل ما قلناه حتى الآن معضلة تطعن في صحة الاستدلال بالتشابه على السلف المشترك، إليك التكملة لنزيدك من الشعر بيتًا فالمعضلة لا تزال أعمق.
في عام 2015، اكتُشِفَ أن السلمندرات ليست المجموعة الحيوانية الوحيدة التي تمتلك نمط تطور جنيني شاذ لأطرافها، إذ حددت إحدى الدراسات (119) وجود عدة مجموعات من الكائنات المنقرضة تمتلك هذا النمط الشاذ أيضًا.
المثير للدهشة هنا هو أن هذه المجموعات أقل قرابة للسلمندرات من قرابة الضفادع للسلمندرات، كما يصنفها التطوريون، لكن الغريب هو أن الضفادع لا تتشارك مع السلمندرات في هذا النمط الشاذ، بل إن أطراف الضفادع تتطور جنينيًا وفق النمط العام.
يترتب عن هذه الملاحظة المثيرة وجوب تطور هذا النمط الشاذ مرتين باستقلالية تامة، مرة في تلك الكائنات المنقرضة القريبة للضفادع، ومرة أخرى مع السلمندرات، مع أن الدراسة جعلت معرفة أي النمطين هو النمط الأصلي الذي كان عليه السلف المشترك المفترض لرباعيات الأرجل غير ممكنة، إلا أن تطور أي نمطٍ من الآخر يعتبر معضلة، والآن بعد هذا الاكتشاف يفترض التطوري أن هذا النمط المختلف قد تطور مرتين في مجموعات مختلفة من الكائنات لا تربطها قرابة بمحض الصدفة!!
هل تعتقد أننا فرغنا، وأن الأمر لا يمكن أن يزداد سوءًا؟
ما يزيد من مشاكل التطوريين ويؤكد هذا الاختلاف في السلمندر عن باقي أطراف رباعيات الأرجل، ليس فقط اعتماد أطراف السلمندر على أنماط تعبيرات جينية (Expression patterns) مختلفة لبعض الجينات المعروفة بأنها أساسية في نمو الأطراف جنينياً، بل اعتمادها على مجموعة جينات أخرى خاصة بالسلمندرات والمسماة “الجينات المقيدة تصنيفياً” أو “الجينات اليتيمة”، أي أنها جينات خاصة بالسلمندرات لا شبه لها إلا في تلك المجموعة المعينة (120)
فليس فقط نمط النمو مختلف فحسب، بل الجينات المسؤولة عنه مختلفة ولا توجد إلا في تلك المجموعات، على الرغم من افتراض التطوريين الأساسي أنها نشأت من سلف واحد مشترك مع بقية رباعيات الأرجل.
تنويه: خالص الشكر للأخ الكريم طالي معمر الأمين الذي شارك في كتابة هذا المقال الذي يخص مشكلة أطراف السلمندر.

المصدر
(114) Nadia B. Fröbisch, Neil H. Shubin, 2011, Salamander limb development: Integrating genes, morphology, and fossils, Dev. Dyn., 240, pp 1087-1099(115) المصدر السابق(116) HOLMGREN, N., 1933, ON THE ORIGIN OF THE TETRAPOD LIMB. Acta Zoologica, 14: 185-295(117) GÜNTER P. WAGNER, et al., 1999, Evolution of Hoxa-11 Expression in Amphibians: Is the Urodele Autopodium an Innovation?, American Zoologist, 39, 3, pp 686–694(118) المصدر رقم (103) السابق(119) Fröbisch, N., Bickelmann, C., Olori, J. et al., 2015, Deep-time evolution of regeneration and preaxial polarity in tetrapod limb development. Nature 527, pp 231–234(120) Kumar, A., Gates, P., Czarkwiani, A. et al. An orphan gene is necessary for preaxial digit formation during salamander limb development. Nat Commun 6, 8684 (2015)

ashrafkotb

حاصل على بكالوريوس العلوم في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة بنها في مصر، وماجستير العلوم في إدارة نظم المعلومات، وماجستير الإدارة في تخصص إدارة المعلومات، وماجستير العلوم في إدارة النظم الهندسية، من جامعة ليستر في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى