علم بجد

علم بجد – مقال 7

التطور، التعريف والبناء النظري

“لقد سألت داروين، هل يمكنك اعتبار أنك قد وجدت كائناً في أي مكان تستطيع أن تثبت على وجه الحقيقة أنه قد تطور من كائن آخر عن طريق مجموعة من التغيرات؟
وكانت إجابته القاطعة: بالطبع لا!
سألته، إذاً أنت شخصياً تعتبر أن عقيدتك عن تطور الأنواع مجرد فرضية؟
فأجاب، نعم بالتأكيد!” – عالم النبات الألماني المعاصر لداروين، روبرت كاسبري.
تطرقنا في المقالات السابقة للعديد من المفاهيم في مجال فلسفة العلم، والمدارس العلمية المختلفة، ومفاهيم المسيرة العلمية.
وسنبدأ من هذه الحلقة إن شاء الله في عرض بعض المفاهيم عن نظرية التطور، وتاريخها، وإطارها النظري، ونناقش هذا الإطار النظري في ضوء ما طرحناه سابقاً من مفاهيم فلسفة العلم.

عن التطور.. التعريف والبناء النظري

سألني أحدهم يوماً: ما هو التطور؟
وكانت إجابتي كما هي دائماً على نفس السؤال: أي تطور تقصد؟
وهذه الإجابة في الواقع ليست محاولة مني للسفسطة، بل لإن الناظر في كيفية تناول العلماء للتطور سيجد بوناً شاسعاً في التعريف، بين التطور، ونظرية التطور.
وحتى إذا حاولنا تناول نظرية التطور، فإننا سنجد نسخاً عديدة من تلك النظرية، تختلف عن بعضها في اختلافات جوهرية وتتفق في مجموعة من النقاط الأساسية. هدفنا في هذا الجزء هو محاولة تعريف المصطلحات التي نحن بصدد مناقشتها أولاً، التطور، ونظرية التطور، لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.

ما هو التطور؟

التطور حقيقة علمية!
هكذا يبادرك في الغالب أي شخص مؤيد للتطور في العادة، بنوع من الاستباقية التقريرية، حتى لا تفكر أصلاً في مناقشة الأمر معه، فهو يكمم فمك ويقيد أطرافك حتى لا تبدأ النقاش معه من الأساس حول ماهية “التطور” وتصنيفه كظاهرة أو فرضية أو نظرية.
هكذا يبادرك ثم يرمي لك ببعض الإحصائيات القاصرة عن تأييد العلماء للتطور، من غير أن يكلف نفسه حتى أن يخبرك ما هو تعريف هذا “التطور” الذي يؤيده العلماء.
لعلك قد تفاجئ إن قلت لك أنا، أن التطور بالفعل حقيقة علمية!
لكننا بحاجة هنا إلى وقفة طويلة حتى نعرف عن ماذا نتكلم بالفعل، هل نتكلم عن ظاهرة، أم نتكلم عن النظرية التي تحاول شرح الظاهرة وكيفيتها؟
إننا إن أخذنا أبسط المفاهيم لكلمة “تطور” فإن معناها اللغوي البسيط هو “التغير”، أو بالأحرى يمكننا أن نقول إنه (التغير عبر الزمن).
فالإنسان الآن متطور بالفعل عن مئة سنة مضت، وعن ألف سنة مضت، وعن عشرة آلاف سنة مضت. فلم يكن عندنا من قبل صناعات، ولا هواتف، ولا إنترنت، ولا ثورة معلوماتية، ولا مواقع تواصل، ولا عملات رقمية، كل هذه لم تكن موجودة حين كانت المواد الخام الأساسية في العالم هي قطعة أرض وبعض الماشية! ربما تغيرنا للأفضل، وربما للأسوأ في أشياء أخرى عديدة!
يمكننا في نطاق هذا المفهوم بالتأكيد أن نقول إن التطور حقيقة علمية كظاهرة، أرخناها وعايشها بعضنا! نعم، إن العالم يتغير من حولنا.
وإن أخذت التطور إلى المجال الحيوي وعنيت به “تغير الكائنات” فيمكننا أن نقول أيضاً في هذا النطاق بحدوده التي رصدناها كظاهرة أن التطور “التغير” حقيقة علمية، فنحن لسنا قوالب.
فأنا مختلف جينياً عن أبي، وعن أخي، وأبي وعمي مختلفان جينياً عن جدي. البكتيريا تتغير كذلك عند التعرض للمضادات الحيوية فتتشوه أجهزتها، وذبابة الفاكهة تتغير فتضطرب أجنحتها، لكن في النهاية، فأنا وأخي وأبي وعمي وجدي كلنا من نوع واحد هو الإنسان، والبكتيريا كذلك رغم عمليات تغيرها التي لا تنتهي، تبقى دوماً بكتيريا.
نحن إلى الآن، نتكلم عن “ظاهرة” تعني ببساطة التغير وعدم الثبات، وتبعاً لهذا المفهوم فلا أحد يخالف أن العالم يتغير، فالكل يعلم أن العالم ليس قوالباً ثابتة، وأن عالم الأحياء ليس مصنعاً ينتج نسخاً متشابهة على خط الإنتاج، بل هو متنوع إلى حد كبير، لكننا لم نصل بعد في هذا التعريف إلى مناقشة أي نظريات علمية بعد.
كل ما يعنيه التطور حقاً إلى الآن هو “ظاهرة التغير”، وفقط. لكن ذلك ليس ما تقوله “نظرية التطور”!

داروين وما قبل داروين

لعل البعض أن يتعجب حين يعرف أن مفهوم “التطور الطبيعي”، أو التغير عبر الآليات الطبيعية، هو مفهوم مصاحب دائماً للفلسفة المادية الطبيعانية، من عصور ما قبل الميلاد، بل وأن مفهوم التطور الصدفي مفهوم متأصل في بعض الأساطير البدائية.
وفقًا لـ (أناكسيماندر Anaximander)، 550 ق.م، أحد أقدم الفلاسفة الماديين، فإن الحياة قد تولّدت بواسطة عمليات مادية من وحل البحر. تُذكّرنا هذه الفكرة بشكل ملفت بالمحاولات النظرية الحديثة التي تحاول تفسير أصل الحياة (13)
ويحاول (إيمبيدوكليس Empedocles)، 450 ق.م، أحد أوائل أتباع المذهب المادي تفسير وجود “الحيوانات الأسطورية” وفقاً لمبدأ أن جميع أنواع الأشكال والأشياء تتولد بشكل مستمر وفقًا للتفاعل التصادفي للعناصر، وطبقاً لهذه العشوائية، فإن الأعضاء قد تتصل ببعضها البعض بطريقة تشكل مسوخاً فتنتج كائنات متعددة الرؤوس، أو رؤوس بشرية مع أجسام أحصنة، أجسام ثيران مع رؤوس بشر.. وهكذا (14) ثم تختفي الأشكال الشاذة هذه وتبقى التراكيب المتناغمة وتتضاعف عبر التناسل (الانتخاب الطبيعي).
لكننا في المقابل سنجد أن معظم علماء الأحياء الذين ناقشوا فكرة التطور في القرن السابق لداروين قد انصرفوا عن المذهب المادي البحت، وسنجد هذا واضحاً حتى في كتابات معاصري داروين مثل (لويس أغاسيس) والذي كان يشغل منصب أستاذ في جامعة هارفارد في علم الحيوان إذ كتب عام 1857 ما نصه:
“يُظهر أيضًا كل مِن التصميم المُسبق، والحكمة، والعظمة، وعلم الغيب، والعلم بكل شيء، وبُعد النظر؛ جميع هذه الوقائع تنادي جهارًا بالله الواحد، الذي قد يعرفه الإنسان والذي لابدّ أن يصبح التاريخ الطبيعي، في وقت مناسب، تحليلًا لأفكار خالق الكون المتجلي في مملكَتي الحيوان والنبات بقدر ما هو متجلٍ في العالم اللاعضويّ” (15)
كانت هذه النظرة القائلة بقصور آليات العالم الطبيعي عن إحداث كل أشكال الحياة هي السائدة بين علماء الحيوان في قرن داروين، حتى جاء داروين محاولاً إنعاش المذهب الطبيعي في إنجلترا، مستعيناً بكتابات (لامارك – Lamarck) عن توريث الصفات المكتسبة، وأفكار (مالتوس – Malthus) عن الصراع حول الموارد الطبيعية (أو الصراع من أجل البقاء)، مؤسساً لما يعرف حالياً بنظرية التطور.
نتعرف في المقال القادم إن شاء الله على تشارلز داروين، وكيف أسس لما يعرف اليوم بنظرية التطور، وكيف شكل فروضها النظرية، وإطارها النظري.
المصدر
(13) مايكل دنتون، 2017، التطور نظرية في أزمة، مركز براهين للأبحاث والدراسات، ص 47(14) المصدر السابق – ص 47(15) المصدر السابق – ص 23

ashrafkotb

حاصل على بكالوريوس العلوم في تخصص الكيمياء الحيوية من جامعة بنها في مصر، وماجستير العلوم في إدارة نظم المعلومات، وماجستير الإدارة في تخصص إدارة المعلومات، وماجستير العلوم في إدارة النظم الهندسية، من جامعة ليستر في بريطانيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى